U3F1ZWV6ZTc5ODQxMTYwMjE3NTFfRnJlZTUwMzcwNzA3Nzk2OTY=

ليسوا أرقاما

ليسوا أرقاما!


ليسوا أرقاما

كلمة تتردد كثيرا على السوشيال ميديا او على التلفاز. نعم. بالطبع هم ليسوا أرقاما. ولا أعلم من أين أتت فكرة هذه الجملة؟ ومن الساذج عديم العقل والقلب الذي يعتبر الشهداء والمصابين مجرد أرقاما؟!

أصبح العالم كله يتحدث عن صبرهم واحتسابهم وإيمانهم وصمودهم ورضاهم وإلتجائهم إلى الجبار وطلب العون منه وحده. مما جعل منهم أبطالا وإن كانوا عُزّل. مرابطين وإن لم يقفوا بالميدان ليقاتلوا. ومع ذلك أعرف تمام المعرفة أن مثل هؤلاء لو كانوا يملكون نصف عتاد العدو لما برحوا أرض الشمال أبدا. ولدافعوا عن أنفسهم وأرضهم بكل ما أوتوا من قوة.ولكن أنّ للمدنيين العزل بالسلاح!

فهل من يستشهد او يُصاب من هؤلاء الأبطال من الممكن أن يتحول لرقم؟ هيه‍ات. هيهات.

وبرغم الألم النفسي واعتصار القلب لرؤية ما يحدث بغزة وأهلها، لا أنفك أتامل وجوه الشهداء. سواء صورهم وهم احياء وكلهم أمل وتفاؤل بغدٍ مشرق أو صورهم التي ألتُقطت لأجسادهم الطاهرة بعد قتلهم.

النظرتين مختلفتين. 

النظر إليهم في صورهم الحية تمزق قلبي ربما أكثر من النظر إليهم بعد أن غُدِر بهم وفارَقوا الحياة.

أن تنظر إلى تلك الوجوه الباسمة الوضاءة بالأمل والمحبة والارتياح لوجودها بين أحبائها. تلك الوجوه التي التمعت أعينها بالحب والشغف والأحلام وانتظار الغد الأجمل، كبارا كانوا أم صغارا،، أصبحت الآن لا وجود لها في دنيانا.

ذلك ما يعتصر قلبي ويغص حلقي. انتهى ذلك الشخص، أحلامه وآماله، أفراحه وأحزانه وخططه. كلها انتهت غدرا ولم يتبقى منها شيئا.

ربما عندما تقع عيني في غفلة مني على أحد صور الشهداء بعد استشهاده، وبرغم الوجع والحسرة عليه إلا أنه كثيرا من الاطمئنان يجتاحني. وفي الوقت الذي تذرف عيناي الدموع وتختلج فيه أنفاسي. أخبر نفسي مطمئنة إياها:- هو الآن منعم وذلك فقط جسده الطاهر الذي خرجت منه روحه الطاهرة. 

وإن كانت أحلامه وخططه لم تتحقق فجوار الله شهيدا منعما يغني عن كل شئ بهذه الدنيا الزائفة، بخططها الدنيوية وشقائها.

أخبرنا ذات يوم أستاذ منصور رحمة الله عليه مدرس الفصل حينما كنت في الصف الثالث الابتدائي أن الشهيد لا يشعر سوى بألم قرصة. ولا يجد أي آلام جسدية أخرى. فقط قرصة مهما كانت بشاعة الميتة. وإن كان قُتل هرسا بدبابة. وإن كان قُتل بصاروخ حوله لأشلاء، مثلما فعلوا مع الشيخ أحمد يس رحمة الله عليه. هي فقط قرصة.

توالت الأيام وكلما رأيت خبرا مفجعا أدى لسقوط شهداء، كنت أتذكر كلمات أستاذ منصور ظنا مني أنها ربما معلومة دينية من اجتهادات الفقهاء والتابعين مما يجعلني مع كل شهيد يسقط اقول هل فعلا شعر فقط بقرصة أم أن أجر الشهادة كي يُنال يحتاج إلى الشعور بآلام تفوق القرصة بكثير؟!

إلى أن وقع أمامي منشور على إحدى منصات التواصل الاجتماعي يحتوي على سرد قصة استشهاد ابن لأمٍّ فلسطينية. 

هذه الأم نادت على ابنها كي يدخل المنزل فجرى ابنها نحوها لكن جاءت قذيفة فقتلته أثناء جريه على أمه فاحتسبت الأم وصبرت وقالت إنا لله وإنا إليه راجعون. ولكن قلبها كان يتألم ظنا منها أن ابنها تألم أثناء موته. نامت الأم ليلتها فأتى لها ابنها في رؤية لتجده بالجنة، فسألته يا ماما ماذا حدث لك؟ قال لها:- لا أدري ماذا حدث. كنتُ أجري نحوك وفجأة وجدت نفسي أجري بالجنة! فسألته:- هل تألمت؟ قال لها:- لا. شعرت فقط بقرصة!

وكُتب تحت القصة الحديث الشريف (ما يجد الشهيد من مس القتل الا كما يجد أحدكم من مس القرصة) صدقت يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليك وسلم تسليما كثيرا.

وكأن الله سكب على قلبي بردا وسلاما حينما علمت أنه حديث شريف وليس اجتهادا او اعتقادا نعتقده. الحمد لله على سعة رحمتك يا الله. وبردا وسلاما عليكِ يا غزة. بردا وسلاما عليكم يا أهل غزة، أطفالا ونساء وشيوخا وشبابا ورجالا. 

وموتا وتدميرا وتشريدا وتنكيلا لقتلة الأطفال والنساء، طغاة العصر ونازِيُّوه.

اللهم إنا استودعناك غزة وأهلها فاحفظهم وانصرهم ومد لهم يد الرحمة والرزق والعون يارب. اللهم بحق ما أنزلت من مطر غزير الآن أثناء كتابتي للدعاء، أمطرهم مطر الخير والنفع والصلاح والأمن والصبر والرضا. واحقن دماءهم يا الله وزلزل الارض تحت أقدام أعدائهم يا الله وألق بقلوب أعدائهم الرعب يدمرون أنفسهم بأيديهم يا الله. يا رب. اللهم آمين يارب العالمين.



تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة