في حب السرمدي الدامس
أعلم أنه لا أحد يهتم لمشاعر الآخرين الخاصة نحو الأشياء المختلفة. وبالفعل هو أمر يخص فقط صاحبه. فمن يهتم ويسعد بقراءة مقال عن حب كاتب هذا المقال للقطط مثلا؟ من سيتتبع او سيبحث عن مقال يصف شعور الكاتب نحو الأشجار والطبيعة أو حتى حبه لليل!
ولكن، لا بأس أحيانا من ترجمة ذلك الحب على الورق أو على مدونة تحتفظ بتلك المشاعر إلى ما شاء الله. ربما تظنه مبالغة ولكن صدقا أجد أنه من باب الوفاء لكل شئ أحببناه أن نترجم هذا الحب كيفما استطعنا ترجمته.
لذا حبا وامتنانا ووفاء لليل العظيم الذي قدّره الله أكتب تلك السطور.
إليك أيها الرفيق السرمدي المبجل.
تمر ساعات النهار بكل ما فيها من صخب وتوتر وعناء وسعي، بخطى ثقيلة. الدقائق تجر بعضها جرا وتأبى بعض ساعات النهار أن تمر دون أن تتصارع على البقاء أطول من أخواتها. أَعدُّ الساعات وأنتظر بفارغ الصبر اقتراب منتصف الليل حيث تخفت الأصوات وينام الناس ويختلي الساهرون بأنفسهم في هدوء الليل المهيب.
نعم. إنه الوقت الذي أسمع فيه أفكاري صاخبة تصول وتجول برأسي. فتعصف ببعضها البعض إلى أن تنتصر الأفكار السديدة أو تُترك النهاية مفتوحة كما هو الحال ببعض الأفلام التي يُصر فيها المؤلف والمخرج على إنهاك عقولنا بالتفكير في المصير المحتوم لأبطال الفيلم. كأن عقولنا تنقصها الحيرة التي تخلفها وراءها مثل تلك النهايات المفتوحة!
ومع ذلك أستمتع وأستفيد كثيرا بمثل هذا العصف الذهني الذاتيّ ويُجْلي عن قلبي الكثير من تراكمات اليوم السلبية.
أمتن كثيرا لراحة لا أجدها سوى بالليل. فكم من أمنية أو دعوة مددت بها يديك الخاويتين إلى ربك في جوف الليل فأتتك على ضعفك وقلة حيلتك فتُسخر كل الأحداث والأقدار لتحقيق أمنيتك وإجابة دعوتك.
أعلم أن مثلي كثُر. وقعوا منذ أمد طويل في حبه. ذلك الضيف الخفيف الذي يؤنسنا بضع ساعات في اليوم ثم ينجلي سامحا للنهار بالبزوغ والسطوع.
وقد ارتبطتُّ منذ نعومة أظافري بالليل وسمائه المهيبة، والتي تتجلى بها قدرة الخالق أكثر وأكثر. فإن كان خلْق الإنسان لا نُحصي معجزاته فما بالك بخلق السماوات والأرض فهم أشد خلقا وإعجازا.
تخفت كل الأصوات شيئا فشيئا ولا يتبقى منها سوى صوت الليل المهيب.
هل سمعت أبدا صوت الليل؟ من المؤكد أنك سمعته ولكن هل أدركته؟
ذلك الصوت الشبحيّ الغامض الذي يتكون من خليط من الأصوات المبهمة فتمتزج جميعا لتصنع صوته المُلهم المطَمئن.
إن أنت أردت أن تكتب ستجد أن الليل خير ملهما لك. إن أردت أن تنجز عملا ما ستجد الليل خير معين بهدوئه وخصوصيته وسكونه.
اعتدت منذ الصغر أن أصعد إلى سطح منزلنا وافتراش الأرض وأتكئ على وسادة وأعلق عيناي على السماء. لا أستطيع أن أنزلها وكأن شيئا مهما سيفوتني إن أنا أشحت بناظري عنها لحظة! وكثيرا ما كنت ألتقط بعينَي المجردتين أحداثا شيقة. كشهاب يطير بغلافنا الجوي فأظل أتابعه إلى أن ينطفئ. أو حتى طائر من طيور الليل كالبومة البيضاء الجميلة التي كانت تحوم دوما في مجال رؤيتي ليلا والكروان الذي يسبح ربه باستمرار ويجبر جوارحك حين تسمعه بالخضوع لعظمة الخالق واللجوء إليه.
أما عن القمر فلن تستطيع كلماتي أن تشرح الرابط الخاص الذي يربطني به.
ذلك السراج المنير المتألق وحده بسماء أرضنا. برغم ضآلة حجمه (نظريا) مقارنة بتلك النجوم المتناثرة حوله إلا أن اقترابه من أرضنا أعطاه الصدارة في الظهور والاعتلاء.
فكم من ليلة معتمة أضاءها القمر وسطع بسمائها ليزيح عن صدري شيئا أهمه. يكفيني أن أراه فيقذف الله بقلبي السكون والطمأنينة.
فالحمد لله على تقلب الأيام بين ليل ساكن ونهار صاخب. بين قمر ينير وشمس تتوهج.
وكلها من آيات الله ليتفكر أولوا الألباب في خلق الله وقدرته.
وبعد أن قرأت تلك السطور، هل لديك حب وتقدير خاص نحو شئ لا يشاركك به الكثيرون؟


ما أجمل الليل وسكونه، وما أجمل القمر حين تحتضنه غيوم الشتاء راسمةً لوحةً فنيةً لا يضاهيها جمال
ردحذف