نعيم أسرنا وجحيم أسرهم
توقف أزيز الطائرات (الزنانات) كما أسماها طفل فلسطيني معبرا عن سعادته بالهدنة وبراحته لعدم سماع الزنانات والانفجارات، متمنيا أن يجدوا حلا لتمتد الهدنة أكثر من أربعة أيام.
إبادة جماعية استمرت ثمانية وأربعين يوما راح ضحيتها ما يزيد عن أربعة عشر ألف من الشهداء. منهم ما يقارب الستة آلاف طفل وأربع آلاف امرأة.
وهم يعلمون جيدا أن الضحايا أغلبهم من الأطفال والنساء. ومع ذلك يدكون البيوت والعمارات دكا. نساء قتيلات تعني انقطاع النسل، وأطفال قتلى تعني تقليص عدد شباب وأمل غزة المستقبلي.
وكأن فرعون بعث من جديد والمفارقة الصادمة أنه تجسد من جديد في نسل ضحاياه من أحفاد أحفاد بني إسرائيل.
إسرائيل منهم برئ.
فرعون كان يحاول أن يقضي على نسلهم بقتله المواليد الذكور واستحياء نسائهم لاستعبادهم.
أما هم فإنهم تفوقوا قاتلهم ومعذبهم فقتلوا النساء والأطفال ومن معهم من الرجال والشيوخ.
وحدث ذلك أمام مسمع ومرآى العالم أجمع. دون أي اعتبار لاحتجاجات الشعوب والضغوط الدولية لوقف زهق الأرواح بغزة بلا أدنى رحمة.
بيوت سقطت على ساكنيها فراح ضحيتها عائلات بأكملها، الجد والإبن والحفيد. نسل بأكمله تمت إبادته وانقطاعه بنجاح. تساقطت على رؤوسهم فاختلطت أشلائهم ببعضها البعض دون تمييز. لذلك هم يلجؤون إلى كتابة أسمائهم على كل أجسادهم كي تستطيع فرق الانقاذ والحماية المدنية تجميع أكبر قدر من أشلاء كل جسد مع بعضها البعض.
مؤلم. أليس كذلك؟!
اطمئن هم جميعا بإذن الله بمكان أفضل، لكنهم تركوا لنا نحن الألم.
لن أنسى تلك الرسالة الصوتية لأحد نساء غزة. تتحدث فيها مطمئنة الطرف الآخر عن جمال الشهادة فتقول نصا: يا ما أحلى الشهادة يا خالة! والشهادة علينا حق. يقولولك ريم بنتك شهيدة ولا يقولولك ماتت؟
وتستطرد: يدفنونا بملابسنا وحجابنا على راسنا ولا يحممونا ولا يحطونا بالتلاجات.
ولن أنسى النساء والفتيات بملابسهن كاملة بخمرهن وحجابهن على رؤسهن استعدادا لأي قصف محتمل لبيوتهن.
فضربوا لأمتنا مثلا لعزة غزة وإبائها ورضا أهلها بقضاء الله. ولا عزاء لكل مقصر تخاذل عن نصرتهم.
والآن بعد أن اقترب التمديد الأول للهدنة على الانتهاء، وبعد أن شاهدنا عملية تبادل الأسرى. وشاهد العالم أجمع الفرق بين الحال الذي خرج به أسرانا لديهم وحال أسراهم لدى المقاومة!
أعلم أن العالم بأسره يعرف الآن من يمارس الإرهاب الحقيقي بالمنطقة، ومن الدولة التي تمارس القمع والبلطجة على العزل والضعفاء، ولكن خروج الأسرى الفلسطينيين على تلك الحالة تؤكد أيضا للعالم الغربي (لأن بالنسبة لنا نعرف حقيقتهم القذرة منذ ١٩٤٨) أن هذا الكيان هو كيان إرهابي بدون عذر أو استفزاز من المقاومة كما يدعي هذه الأيام أنه يدافع عن نفسه.
يدافع عن نفسه بقتله النساء والأطفال. وعجبي!
نظرة خاطفة غير فاحصة للفلسطينيين الناجين من سجون العذاب والدمار الصهيونية كفيلة بأن تعرف منها مدى الألم والمعاناة النفسية بل والجسمانية التي عاناها هؤلاء بسجون جحيم الكيان المتجبر.
أما عن تصريحاتهم وحكاياتهم فحدث ولا حرج عن طرق التعذيب النفسي والجسماني الذي أودى بحياة بعض منهم. الأمر لا يقتصر فقط على السباب والشتائم والضرب والإهانة وفتح المياة عليهم في أيام الشتاء الباردة، بل إنه وصل لحد التجويع وتقديم طعام لا يسمن ولا يغني من جوع.
أحد الأسرى الناجين يقول أنهم كانوا ثمانية سجناء فلسطينيين يلتفون حول طبق واحد من الأرز.
وعن حالة أحمد مناصرة الذي حبس في سن الثالثة عشر من عمره منذ ثماني سنوات وحيدا في زنزانة مظلمة لا تتعدى مساحتها ٤ أمتار مربعة إن لم تكن أقل من ذلك. قصته وشكله المأسوي يحكي كل شئ.
يا هؤلاء. أنبياء بني إسرائيل منكم براء.
وأيضا نظرة خاطفة غير فاحصة لوجوه أسرى المقاومة من الإسرائيليين فتعرف منها مدى الإنسانية والمعاملة الكريمة التي تمت معاملتهم بها.
العيون ليست مكسورة أو حزينة. الوجوه باسمة وراضية. والأيدي ملوحة مودّعة في ود.
أطفالا كانوا أم كبارا. الجميع راضون مستبشرون.
إحداهن كتبت رسالة شكر للمقاومة تعبر فيها عن امتنانها بخروجها وخروج إبنتها من هذا الأسر بدون صدمة نفسية. وأنهم عاملوا طفلتها كما الملكة وأنهم كانوا لها كأبوين.
بل إن حديث العالم يدور حول تلك الفتاة مايا التي ردت على أحد جنود المقاومة حين قال لها باي مايا، قائلة باي شكرا. بنظرة أوضحت أن الأمر تخطى التقدير والامتنان وأصبح إعجابا.
الكيان قال عن هذه اللقطة أنه لابد وأن تكون هذه متلازمة ستوكهولم!
حقا! الأطفال والعجائز والشباب! الجميع أصابته لعنة متلازمة استوكهولم؟!
ماذا عن خلق الإسلام ومعاملة الأسرى، ألم تسمعوا عنه أبدا؟!
يتحدث الإعلامي الأمريكي چاكسون هنكل عن مايا قائلا: إنها ولدت وتربت في إسرائيل ولم ترى رجلا أبدا. وهذا ما يحدث حينما رأت رجلا حقيقيا. ويقول ساخرا من تعابير وجهها: إنه لن يتزوجك، لن يتزوجك.
ونحن نقول ما حدث لكل الأسرى الإسرائيلين هو أنهم عوملوا طبقا لتعاليم ديننا الحنيف. دين الفطرة السليمة. الذي ينهى عن قتل الطفل والمرأة والشيخ وتقطيع الأشجار في الحروب. ويأمر بالإحسان إلى الأسرى. وأي تصرف دون ذلك فالإسلام منه برئ ولا يعبر إلا عن تطرف وأهواء لا يريدون بها إلا زرع الفتنة والكراهية ضد دين الله.
فالحمد لله على نعمة الإسلام، والحمد لله الذي ينتصر لدينه حتى في أحلك المواقف. اللهم رسِّخ الإيمان بقلوب أمتك وانصر يا الله عبادك المؤمنين عاجلا غير آجل يا رب ورد إلينا أقصانا وحرر فلسطين من دنس بني صهيون...


إرسال تعليق