ماذا لو كنا وُلدنا بغزة
عدنا مرة أخرى لسيناريو إبادة أهل غزة واستنزاف كل صورة من صور موارد الحياة الآدمية.
مرة أخرى تدوّي أصوات الانفجارات وتعلو صرخات النساء والأطفال والعالم يسمع ويرى ولا يحرك ساكنا.
ولا حيلة لمن يتوجعون ويتألمون لمآسيهم حول العالم إلا بتظاهرات وبحملات لمقاطعة كل منتج يؤيد المذابح ويساند الكيان بشكل مباشر أو غير مباشر.
وثانيةً يبدر إلى ذهني التفكير في طريقة لإنقاذهم من براثن جبابرة الأرض طغاة العصر. طريقة ينقذون بها أنفسهم لأن لا أحد هناك لأجلهم. طريقة غير تلك الطريقة الشيطانية التي تستميت إسرائيل على تنفيذها بتهجير أهل غزة لسيناء وتصفية القضية الفلسطينية واحتلال كامل القطاع بعد إفراغه من أهله أصحاب الأرض. ولكن مصر لها بالمرصاد. فأعلنتها مصر أمام العالم برفضها التهجير القصري لسيناء وتصفية القضية، ولم ترضخ مصر لمغريات كبيرة بإسقاط ديونها والاستثمار بها بمليارات الدولارات وأشياء أخرى من شأنها أن تنتشل مصر من أزماتها الأقتصادية، بل وتستكمل مصر مشروعاتها القومية الكبرى بسلاسة دون ضغط على ميزانيتها.
ويلح عليّ منذ بداية الحرب العرقية على غزة سؤالٌ يؤرقني، ماذا لو كنتُ ولدتُّ هناك؟ حقا ماذا كنت لأفعل؟!
في حياتي العادية، أستطيع أن أقول بأني شخصٌ يواجه مخاوفه ولا يهرب منها. لا أدعي الشجاعة بل أعترف بشعور الخوف ولكن على قدر ما مر بي من مصاعب ومعايشة لمشاعر الخوف، لم أُدِر ظهري ولم أهرب. بل كنت دائما شخصا حريصا لديه القدرة على تطويع غريزة البقاء بشكل عمليّ بطريقة أو بأخرى.
لكن تحت وطأة القذف الجويّ، كيف كانت ستخدِمُني غريزة بقائي تلك؟ أين كنت سأذهب كي أنجو بنفسي وبأولادي كي أحميهم من آلات حديدية بلا مشاعر يقودها شخص جُرِّد من آدميته، بطغطة زر واحدة يطلق صاروخا يحمل الموت في جنباته، فيسقط على برج سكني فيودي بحياة عائلات بأكملها.
إحدى الصور التي صدمت بها لدرجة أنني لم أستطع البكاء حتى حين رأيتُها. صورةٌ لعائلة أو لمجموعة من الأقارب مكونة مما يزيد عن ثلاثين فرد وكتب أعلاها: استشهدوا جميعا ولم ينج منهم أحدا في إحدى الغارات الجوية للكيان القذر على برجهم السكني. صورة تحوي الجد والأبناء والأحفاد أطفالا ورضع تحملهم أمهاتهم.
الآن الناس في غزة أجداد بلا أحفاد، وآباء بلا أبناء أو أبناء بلا أحد الأبوين أو كليهما أو عائلات تم إبادتها عن بكرة أبيها بنجاح!
ولكن هذا ليس بجديد فغزة تتعرض من حين لآخر لمثل هذه الإبادة من قبل طاغوت العصر فتحدث مناوشات من المقاومة تنتهي بدك غزة ومحاولة قتل كل ما هو يتنفس على أرض غزة، دون تفرقة بين رضيع وكهل.
والسؤال هنا ليس استنكاريا ولكنه سؤال يبدر لذهني في كل مرة تتعرض فيها غزة لضربة قاسية وحقا كنت أتمنى أن أعرف له إجابة.
لم لم يبن سكان غزة على مدار السنين ملاجئ تحت الأرض بمثابة غرفة آمنة بأعماق مناسبة تقيهم بأس الصهاينة الدموي الغاشم. غزة كانت تحصل على مساعدات بعد كل ضربة بملايين الدولارات. لم لم يفكروا بهذا الأمر؟ أم أنهم فكروا به وهناك شيء ما منعهم من تنفيذه لصعوبته أو لأن ذلك لن يسمح به المحتل؟!
عموما حتى السؤال خرج متأخرا. فأهل غزة تم تهجيرهم من شامل القطاع إلى الجنوب بقرب الحدود المصرية ولا أظن أن هناك عودة مرة أخرى للديار ولن يتبقى منها سوى مفاتيح سيورثها هذا الجيل للأجيال القادمة.
أتمنى أن تفشل مخططات الكيان الشيطاني وأن تتصدى المقاومة لمحاولة تهجير اهل غزة لسيناء وأن ينصر مصر إدارة وجيشا في التصدي لهذا المخطط القديم نظريا والحديث عمليا. وأن يحمى الله أهل غزة ويحقن دماؤهم ويدمر بني صهيون تدميرا.

إرسال تعليق